الشيخ محمد النهاوندي
199
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ لمّا افتضح المنافقون بيّن سبحانه سوء حال المنافقين ، وأظهر التعجّب من سوء صنيعهم بقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ يا من يعقل ، أو يا محمد ، ولم تنظر إِلَى المنافقين الَّذِينَ ي تَوَلَّوْا ن ، وتوادّوا قَوْماً من اليهود ، مع أنّهم قوم غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولعنهم حيث ينقلون أسرار المؤمنين إليهم ، والعجب أنّ هؤلاء المنافقين مذبذبين ما هُمْ مِنْكُمْ وليسوا من زمرتكم ، لكفرهم في الباطن وَلا مِنْهُمْ لعدم اعتقادهم بدين اليهود ، وإذا لقوكم قالوا : إنّا مسلمون ، أو المراد إنّهم يشتمون اللّه ورسوله ، ويكيدون المسلمين ، وإذا قيل لهم : إنّكم فعلتم كذا وكذا ، أو قلتم كذا وكذا ، قالوا : واللّه ما فعلنا ذلك وما قلنا ذلك وَيَحْلِفُونَ ويقسمون باللّه عَلَى ادّعائهم الْكَذِبِ تحفّظا على أنفسهم من القتل ، وعلى أموالهم من النّهب وَهُمْ يَعْلَمُونَ كذب ما حلفوا عليه ، وهذا الحلف في غاية الشناعة والقباحة . ثمّ هدّدهم سبحانه بقوله : أَعَدَّ اللَّهُ وهيّأ لَهُمْ في القبر على قول بعض ، أو في الآخرة عَذاباً شَدِيداً لا يمكن تحديد شدّته وتوصيفها ، لأجل إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر باللّه ورسوله ، وموادّة اليهود واليمين الغموس « 1 » . روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان في حجرة من حجراته ، فقال لأصحابه : « يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار ، وينظر بعين الشيطان » فدخل عبد اللّه بن نبتل ، وكان أرزق ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « على م تشتمني أنت وأصحابك ؟ فحلف باللّه ما فعل . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « فعلت » فانطلق بأصحابه فحلفوا باللّه ما سبّوه ، فنزلت الآيات « 2 » . ثمّ ذمّهم سبحانه بقوله : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ الفاجرة حين الخوف من المسلمين جُنَّةً وترسا يحفظون به أنفسهم من سيوف المسلمين ، وأموالهم من النّهب فَصَدُّوا ومنعوا الناس عَنْ الدخول في دين الاسلام ، وسلوك سَبِيلِ اللَّهِ والعمل بما يوجب قربهم إليه في خلال أمنهم وسلامتهم ، بإدخال الشّبهات في القلوب ، وذكر المطاعن للاسلام ، وتعييب المسلمين فَلَهُمْ في
--> ( 1 ) . اليمين الغموس : الكاذبة ، تغمس صاحبها في الإثم . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 408 .